ترى الدكتورة نادية حلمي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة بني سويف والباحثة المتخصصة في الشؤون الصينية والعلاقات الآسيوية، أن مشاركة رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي استضافتها موسكو في أكتوبر 2026، تحقق مكاسب استراتيجية غير مباشرة للصين، بفضل تقاطع المصالح السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بين القاهرة وبكين وموسكو.
وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة في تعزيز موقع مصر باعتبارها حلقة وصل محورية بين القوى الكبرى والقارة الأفريقية، بما يدعم توجهات دول الجنوب العالمي ويعزز دور مجموعة بريكس في إعادة تشكيل النظام الدولي.
وفي تحليل نشره موقع «مودرن دبلوماسي»، تستعرض حلمي أبعاد الاستفادة الصينية من الحضور المصري في القمة الروسية الأفريقية، وتوضح كيف تتقاطع التحركات المصرية مع المبادرات الصينية والتحالفات الدولية، وفي مقدمتها مجموعة بريكس ومبادرة الحزام والطريق، إلى جانب انعكاساتها على التنافس الدولي في أفريقيا ومستقبل العلاقات بين القوى الكبرى.
مصر بوابة استراتيجية لتعزيز النفوذ الصيني في أفريقيا
تسهم مشاركة السيسي في القمة الروسية الأفريقية، وفقًا للتحليل، في دعم التوازن داخل النظام الدولي، إذ يعزز انخراط حكومة السيسي في التكتلات الأفريقية التي تضم قوى كبرى مثل روسيا والصين الجهود الرامية إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، وهو ما يخدم المصالح الصينية الساعية إلى تقليص الهيمنة الغربية والأمريكية.
كما تتقاطع المصالح المصرية والصينية في قضايا الجنوب العالمي، في ظل توافق معلن بين البلدين على توسيع التنسيق بشأن حوكمة النظام الدولي والدفاع عن مصالح الدول النامية. ومن ثم، فإن أي تقارب أفريقي مع حلفاء الصين، مثل روسيا، يدعم الرؤية الصينية تجاه القارة.
وتتمتع الحكومة المصرية بموقع جغرافي استثنائي، فضلًا عن امتلاكها قناة السويس وروابط تاريخية ومؤسسية راسخة مع الدول الأفريقية. وكانت حكومة السيسي من الأطراف المؤسسة لمبادرة التعاون الروسي الأفريقي خلال رئاستها الاتحاد الأفريقي عام 2019. ويعزز هذا الموقع شبكة التجارة والخدمات اللوجستية التي تسعى الصين إلى توسيعها عبر مبادرة الحزام والطريق في أفريقيا.
وتعزز الشراكة المصرية الصينية داخل مجموعة بريكس، إلى جانب الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين واحتفالهما مؤخرًا بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، فرص التنسيق بشأن القضايا الاقتصادية والتنموية داخل المحافل الأفريقية والدولية، بعيدًا عن الضغوط الغربية والأمريكية.
ومن هذا المنطلق، ترى الكاتبة أن مشاركة السيسي في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، رغم تركيزها الظاهر على العلاقات بين موسكو والدول الأفريقية، تخدم بصورة مباشرة رؤية بكين لإعادة تشكيل النظام الدولي، ودعم قضايا الجنوب العالمي، وتعزيز تماسك مجموعة بريكس.
وتتقاطع مخرجات المشاركة المصرية مع المبادرات الدولية الصينية، وفي مقدمتها مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الحزام والطريق، عبر عدد من المسارات، أبرزها الدعوة إلى إقامة نظام دولي أكثر عدالة وإصلاح المؤسسات الدولية.
فقد شدد السيسي، خلال كلمته في القمة، على ضرورة إصلاح مجلس الأمن الدولي ومعالجة المظالم التاريخية التي تعرضت لها القارة الأفريقية، بما يضمن تمثيلًا عادلًا لدول الجنوب العالمي. ويتوافق هذا المطلب مع جوهر السياسة الخارجية الصينية التي تسعى إلى إنهاء هيمنة القطب الواحد وإقامة نظام متعدد الأقطاب يعكس التعددية الحقيقية.
كما يتيح التنسيق خلال القمم الدولية لدول الجنوب العالمي فرصة للضغط من أجل إصلاح المؤسسات المالية الدولية، واستكشاف آليات للتبادل التجاري بالعملات المحلية، بما يخفف الضغوط الاقتصادية الناتجة عن هيمنة الدولار.
وتدعم مشاركة حكومة السيسي في القمة جهود الجنوب العالمي، بقيادة الصين، لإعادة تشكيل النظام الدولي على أسس أكثر توازنًا وعدالة. وتسعى الدول الأفريقية، ومن بينها مصر، في إطار التقارب الصيني الروسي، إلى تقليص الاعتماد على قوة دولية واحدة والبحث عن بدائل سياسية واقتصادية أكثر مرونة.
وفي مجال أمن الطاقة والربط اللوجستي، طرحت الحكومة محاور للتنمية الأفريقية تشمل إنشاء ممرات استراتيجية ومناطق لوجستية وتعزيز الربط الكهربائي. وتتكامل هذه البنية التحتية بصورة طبيعية مع مشروعات مبادرة الحزام والطريق الصينية في القارة، بما يسهل توسيع الاستثمارات الصينية والتجارة البينية الأفريقية.
ويتوافق تأكيد الحكومة ضرورة احترام أولويات الدول الأفريقية وعدم فرض إملاءات خارجية مع المبدأ الصيني القائم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وبناء شراكات تحقق المنفعة المتبادلة ومبدأ المكسب المشترك.
واستغلت حكومة السيسي القمة الروسية الأفريقية منصة إقليمية لإعادة تأكيد التزامها بتحقيق السلام والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، التي تكتسب أهمية حيوية للمصالح اللوجستية والاستراتيجية الصينية. كما سلطت الضوء على أمن المياه باعتباره قضية وجودية، ودعت إلى تسوية الأزمات في غزة والسودان وليبيا، بما يتوافق مع الرؤية الصينية الرامية إلى دعم التنمية وتعزيز الاستقرار في دول الجنوب العالمي.
بريكس والتنسيق المصري الصيني الروسي في الجنوب العالمي
تضم مجموعة بريكس الصين وروسيا ومصر بوصفها أعضاء فاعلين، وهو ما يجعل أي مبادرة مصرية روسية في أفريقيا عاملًا داعمًا لتماسك المجموعة وتعزيز قوتها في القضايا المرتبطة بالجنوب العالمي.
ويبرز التنسيق بين القوى الرئيسية داخل المجموعة، حيث تستضيف روسيا القمة، بينما تؤدي مصر دور حلقة الوصل المحورية والقوة الإقليمية المؤثرة، قدرة بريكس على قيادة جهود التنمية وتسوية النزاعات في أفريقيا، بما يعزز صورتها باعتبارها بديلًا موثوقًا للمؤسسات الغربية التقليدية.
كما ناقشت القمة آليات جديدة لتمويل المشروعات وتطوير سلاسل الإمداد، بعيدًا عن التعقيدات والعقوبات الغربية. وتدعم هذه التحركات مساعي بريكس لتعزيز استخدام العملات المحلية وتقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات التجارية داخل الأقاليم المختلفة ومع القارة الأفريقية.
وتناولت المباحثات المصرية الروسية أمن الملاحة في البحر الأحمر والحفاظ على الاستقرار في القرن الأفريقي والسودان. وتكتسب هذه الملفات أهمية بالغة للصين، نظرًا إلى أن البحر الأحمر وقناة السويس يمثلان شريانين رئيسيين لتدفق الصادرات الصينية إلى أوروبا وأفريقيا.
وتشير حلمي إلى أن منتدى التعاون الصيني الأفريقي (فوكاك) يمثل أداة دبلوماسية رئيسية لبكين لترسيخ نفوذها في القارة، فيما تسعى روسيا، عبر منتدى التعاون الروسي الأفريقي، إلى تعزيز حضورها ومكانتها في الجنوب العالمي، وبناء جبهة موحدة في مواجهة الضغوط الغربية.
ويرى محللون أن روسيا تحاول، من خلال هذه القمم، محاكاة تجربة منتدى التعاون الصيني الأفريقي الذي أطلقته بكين عام 2000 لتوسيع نفوذها في القارة. وتعكس مشاركة مصر وغيرها من الدول الأفريقية رغبة هذه الدول في استثمار التنافس بين القوى الكبرى لتحقيق مصالح شعوبها.
ولا تتحرك مصر والدول الأفريقية الأخرى وفق خيار ثنائي يفرض عليها الاختيار بين بكين وموسكو، بل تتبنى حكومة السيسي سياسة تقوم على التوازن والانفتاح. فالصين هي أكبر شريك تجاري ومستثمر في البنية التحتية الأفريقية عبر مبادرة الحزام والطريق، بينما تقدم روسيا شراكات استراتيجية في قطاعات محددة، مثل التصنيع العسكري وإنتاج الحبوب والطاقة النووية، ومن بينها مشروع محطة الضبعة النووية في مصر.
وتسعى حكومة السيسي إلى الربط بين مصالح هذه القوى من خلال مشروعات اقتصادية مشتركة. فعلى سبيل المثال، تتكامل المنطقة الصناعية الروسية المقترحة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس جغرافيًا مع الاستثمارات الصينية الضخمة في المنطقة نفسها، وفي مقدمتها المنطقة الصناعية الصينية «تيدا»، بما يعزز موقع مصر مركزًا لوجستيًا عالميًا يخدم الاستراتيجيات الصينية والروسية تجاه أفريقيا والجنوب العالمي.
وتشمل المصالح المشتركة أيضًا تأمين مصادر الطاقة والموارد الحيوية، إذ تمثل أفريقيا مصدرًا رئيسيًا لإمدادات الصين وروسيا من النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية، مثل الكوبالت والليثيوم، اللازمة للصناعات التكنولوجية المتقدمة والتحول الأخضر.
وتوفر مبادرة الحزام والطريق إطارًا لدمج القارة الأفريقية في المشروعات الصينية العملاقة للبنية التحتية، بما يشمل الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الطاقة. كما تمنح العلاقات الأفريقية الصين كتلة تصويتية مهمة داخل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، لدعم مواقفها بشأن قضايا مثل تايوان وحقوق الإنسان.
التنافس الدولي على أفريقيا ومستقبل النموذج الصيني
تتطور الاستراتيجية الصينية تجاه أفريقيا والجنوب العالمي من التركيز على المشروعات الضخمة إلى تبني مشروعات أصغر وأكثر استدامة. وتوضح الكاتبة أن بكين بدأت تحول اهتمامها من مشروعات البنية التحتية واسعة النطاق، مثل الموانئ والمطارات، إلى مشروعات صغيرة وجاذبة تحقق نتائج أكثر استدامة.
كما تولي الصين أولوية متزايدة للتحول الرقمي والطاقة المتجددة ونقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المحلية الأفريقية، بما يعكس تطور نموذجها التنموي في القارة.
وفي المقابل، تشهد أفريقيا منافسة استراتيجية واقتصادية وعسكرية محتدمة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، إذ تسعى كل قوة إلى تعزيز وجودها في القارة عبر أدوات وأساليب مختلفة. وتعتمد الصين على الشراكات الاقتصادية الواسعة وتطوير البنية التحتية، بينما ترتكز الاستراتيجية الروسية على الحضور الأمني والعسكري وإمدادات الحبوب، في حين تحاول الولايات المتحدة احتواء نفوذ القوتين عبر المشروعات الاستراتيجية ودعم الإصلاحات الديمقراطية.
وتحاول واشنطن تقديم بدائل للتمويل الصيني والروسي في أفريقيا من خلال مبادرات، من بينها الشراكة من أجل استثمارات البنية التحتية في أفريقيا (PIIA) وخطة الاستثمار العالمية (PGII)، محذرة من مخاطر الوقوع في فخ الديون، بينما تركز الصين على تقديم نموذج تنموي لا يفرض شروطًا سياسية.
أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى عبر استراتيجية «البوابة العالمية» إلى منافسة النفوذ الصيني والروسي في مجالي الطاقة المتجددة والتحول الرقمي داخل أفريقيا.
ولا يقتصر التنافس على القوى الكبرى، إذ تتداخل التحركات الصينية في القارة مع مساعي قوى إقليمية ودولية أخرى لترسيخ حضورها، مثل روسيا في المجال الأمني، والهند وتركيا ودول الخليج في مجالات الاقتصاد والاستثمار.
وتخلص حلمي إلى أن الصين تستفيد من الحضور المصري المؤثر في القمم الدولية، مثل القمة الروسية الأفريقية، باعتباره أداة دبلوماسية واقتصادية تخدم مصالحها الاستراتيجية. فحكومة السيسي تمثل حلقة وصل محورية تترجم التفاهمات السياسية بين مجموعة بريكس وروسيا إلى مشروعات تنموية عملية على أرض أفريقيا، بما يدعم الأهداف الصينية طويلة الأمد في قيادة قضايا الجنوب العالمي.
https://moderndiplomacy.eu/2026/10/31/why-egypts-sisi-matters-to-chinas-russia-africa-strategy-and-the-future-of-brics/

